الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
150
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بحيث يعرف به . والمعنى : ننزل الشفاء والرحمة وهو القرآن . وليست ( من ) للتبعيض ولا للابتداء . والشفاء حقيقته زوال الداء ، ويستعمل مجازا في زوال ما هو نقص وضلال وعائق عن النفع من العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة والأخلاق الذميمة تشبيها له ببرء السقم ، كقول عنترة : ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها * قيل الفوارس : ويك عنتر قدّم والمعنى : أن القرآن كله شفاء ورحمة للمؤمنين ويزيد خسارة للكافرين ، لأن كل آية من القرآن من أمره ونهيه ومواعظه وقصصه وأمثاله ووعده ووعيده ، كل آية من ذلك مشتملة على هدي وصلاح حال للمؤمنين المتبعينه ، ومشتملة بضد ذلك على ما يزيد غيظ المستمرين على الظلم ، أي الشرك ، فيزدادون بالغيظ كراهية للقرآن فيزدادون بذلك خسارا بزيادة آثامهم واستمرارهم على فاسد أخلاقهم وبعد ما بينهم وبين الإيمان . وهذا كقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ [ التوبة : 124 - 125 ] . وفي الآية دليل على أن في القرآن آيات يشتفى بها من الأدواء والآلام ورد تعيينها في الأخبار الصحيحة فشملتها الآية بطريقة استعمال المشترك في معنييه . وهذا مما بينا تأصيله في المقدمة التاسعة من مقدمات هذا التفسير . والأخبار الصحيحة في قراءة آيات معينة للاستشفاء من أدواء موصوفة بله الاستعاذة بآيات منه من الضلال كثيرة في « صحيح البخاري » و « جامع الترمذي » وغيرهما ، وفي الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري - رضي اللّه عنه - قال : « بعثنا رسول اللّه في سرية ثلاثين راكبا فنزلنا على قوم من العرب فسألناهم أن يضيفونا فأبوا فلدغ سيد الحيّ فأتونا ، فقالوا : أفيكم أحد يرقي من العقرب ؟ قال : قلت : نعم ولكن لا أفعل حتى يعطونا ، فقالوا : فإنا نعطيكم ثلاثين شاة ، قال : فقرأت عليه فاتحة الكتاب سبع مرات فبرأ » الحديث . وفيه : « حتى أتينا رسول اللّه فأخبرته فقال : وما يدريك أنها رقية ، قلت : يا رسول اللّه شيء ألقي في روعي ( أي إلهام ألهمه اللّه ) ، قال : كلوا وأطعمونا من الغنم » . فهذا تقرير من النبي صلى اللّه عليه وسلّم بصحة إلهام أبي سعيد - رضي اللّه عنه - . [ 83 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 83 ] وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 )